بعد ان بدأء الغزو التركي منذ اسبوع على سوريا بعد انسحاب امريكا من هناك، بدى الامر في احلك أوقاته بالاجتياح السريع لكل الحدود بين البلدين وبالقصف الوحشي للقرى والبلدات السورية في الشمال على الحدود وعبر الفيديوهات الخاصة بمعاناة المدنيين في هذه المناطق.
ولكن بعد أربعة أيام من هذا التقدم، وبدون مقدمات معلنه نجد الاوضاع على الارض تتغير بشكل مذهل.
بعد ان اعلن الأسد ان الأكراد خانوا سوريا ولن يتعاون معهم، وبعد ان قام وفد منهم بزيارة لمصر، وبعد ان تكلم بوتن مع الأسد، عَدَل الأسد عن موقفه وقَبِل دعوة الأكراد بدخول الجيش السوري الى المنطقة التي يسيطرون عليها وهي شرق الفرات والتي كانت امريكا متمركزة فيها.
https://qwa.la/p2d9t6
وبدات اخبار تتسرب عن سرعة إخلاء الجنود الأمريكيين لمواقعهم هناك حتى انهم تركوا الخيام وأماكن الإعاشة كما هي وانهم إضطروا بعد ذلك الى تدمير الذخيرة والعربات التي تركوها جراء الإخلاء السريع للمكان. والمدهش في الامر ان من أخذ مكان هؤلاء الجنود هم الجيش السوري. وهناك تواجد ملحوظ للروس على شكل شرطة عسكرية تقوم بعمل فصل بين الجيش التركي والجيش السوري.
https://qwa.la/a8m8r4
نجد السرعة التي وصل بها الجيش السوري الى أقصي الحدود الشمالية السورية وبدون اي مواجهات او معارك ، إن دل على شئ فهو يدل على ان هناك تنسيق على اعلى المستويات بين كل الأطراف على الارض.
ثم بدأ التسريب عن من يتكلم مع من ، وماذا كان الاتفاق ، وما ينفذ على الارض الان ، وما الهدف النهائي له.
شعاع امل بالنسبة لسوريا.
يبدو ان روسيا وامريكا اتفقتا انه حان الوقت لإنهاء مأساة سوريا التي كان قد بدأها باراك اوباما وهيلاري كلينتون ويؤجج لاستكمالها صقور الحرب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ولكن يبدو ان ترامب ، بعد التخلص من بولتون، الان يمسك بزمام السياسة الخارجية بشكل اكبر ويملى إرادته لكي يوفي بوعوده الانتخابية بعدم الدخول في حروب جديدة وبعودة الجنود الأمريكيين للوطن.
تبدو روسيا هي محور هذه الديبلوماسية المحمومه، فهي على اتصال بكل الأطراف المتناحرة وحتى المتحاربة. وبالرغم من وجود مصالح لها مع كل الأطراف وقد تتأثر هذه المصالح بما تفعله الان من محاولة أنهاء هذه الحرب، الا ان تمرسها الديبلوماسي اسفر عن نتائج إيجابية بالنسبة لجميع الأطراف. فقد عملت روسيا مع الدول العربيه إما بالطلب منها بالأحجام عن التدخل ، في حالة السعودية والإمارات ، او بالتدخل للمساعدة في حالة مصر وتمكنت بذلك في إقناع الأكراد انه من الأفضل لهم كثيراً ان يعودوا الى حضن بلدهم لأن وضعهم سيتحسن عن طريق الدستور الجديد الذي يكتب الان لسوريا حيث تعطى العرقيات المختلفة حقوق كانت تطالب بها وكلها تحت مظلة سوريا موحدة المستقلة.
https://qwa.la/m5m7t9
وطبعاً روسيا هى التي أقنعت بشار الأسد بأهمية قبول الأكراد مرة اخرى لو أراد استعادة كل أراضيه ولَم شَمل سوريا كبلد موحد مستقل وذو سيادة على كامل أراضيه.
ولكن اهم انتصار ديبلوماسي كان مع اردوغان وهذا كان عمل متناسق بين كل من ترامب وبوتن حيث الإقناع والإغراء من ناحية بوتن والضغط والتهديد من ناحية ترامب. وعندما يجد اردوغان نفسه بين القوتين العظمتين تحاولان توجيهه الى مسار معين فلابد ان يصغي إليهما لانه لا ملاذ له بعد ذلك.
مشكلة اردوغان هي الأكراد في سوريا وخوفه من اتحادهم مع أكراد تركيا والمطالبة العنيفة بأرض لإقامة بلد لهم بين تركيا وسوريا والعراق وايران. وبما ان كل هذه البلاد متفقة على ان هذه فكرة غير مرغوب فيها – خصوصاً بعد الإعلان السريع عن إقامة دولة كوردستان في العراق وقت السيولة التامه في هذا البلد والترحيب الذي لاقاه هذا الإعلان والاعتراف الفوري به من اسرائيل – فلن تقبل اي من هذه البلاد بخلق كيان اخر مثل اسرائيل في هذه المنطقة. وللأكراد والصهاينة تاريخ طويل معاً.
https://qwa.la/j2q9x7
وجود مايك بنس ومايك بومبيو في تركيا يوم الخميس الماضي للتحدث مع اردوغان عن الوضع في سوريا، وقبول اردوغان مقابلتهما ، يدل على ضغوط مورست عليه ، ثم قبوله زيارة الكرملين في خلال هذا الشهر، كان ايضاً غالباً كنتيجة لضغوط اخرى. وكل هذا يصب نحو إنهاء الوضع المأسوي السوري الذي بدأ منذ ٢٠١٢.
تصميم ترامب على تنفيذ خطته بالانسحاب من سوريا يتماشى مع خطته الانتخابية ووعوده بإعادة الجنود الى بلدهم، وتواجد روسيا على ارض سوريا والتحكم في كل الأطراف المتحاربه بان تعطي كل واحد منهم ما يريده اعطى روسيا اليد العليا في تنفيذ هذا الوقف الفعلي للقتال حتى دون إعلان وقف إطلاقاً للنار. وما تمكنت روسيا من تحقيقه هو اقناع كل الأطراف بان الخطة المرسومه هي الأفضل للجميع.
بعد ان قام اردوغان بضرب الأكراد بوحشية شديدة مما جعلهم يتاكدوا انهم غير قادرين على مواجهة هذا الجيش وان مصيرهم الإبادة العرقية ان استمروا دون مساعدة ، وبعد تخلي امريكا عنهم، فلم يكن لديهم ملاذ سوى سوريا.
إقتنع بشار انه في مصلحة بلده لو أراد إعادة السيطرة على كل أراضيها وتوحيدها تحت قيادته ان يعيد احتواء الأكراد ويدمجهم في الدولة السوريه وبذلك يضرب عصفورين بحجر، فَيُطَمئن تركيا بعدم محاولة إنضمام أكراد سوريا لهؤلاء الموجودين في تركيا ، لانهم سيكون لهم حكم ذاتي تحت المظلة السوريه، وايضاً لن يفقد اي جزء من ارض سوريا بل سيوحدها كلها مره ثانية كما كانت قبل ٢٠١٢.
وبالنسبة لأردوغان فسوف يجد تعهد من روسيا بان الأكراد لن يهددوا بلده من الجنوب وانه بالانصياع لمطالب روسيا وامريكا في هذا الشأن سوف يجد تحسن في العلاقة مع الطرفين بدل من العقوبات الاقتصادية التي تهدده بها امريكا وبدل من الضغوط التي يمكن لروسيا ممارستها عليه بشتى الطرق والتي كان قد عرفها من قبل.
وأخيراً اعلن مايك بنس بعد لقائه مع اردوغان عن وقف العمليات القتالية في شمال شرقي سوريا لمدة خمسة ايام، والتي قد توقفت فعلياً قبل ذلك. وبهذا الإعلان تأخذ امريكا الفضل في القيام بوقف القتال وترامب يحتاج لمثل هذا الانتصار العالمي ليعضد موقفه الداخلى مع مسانديه.
https://qwa.la/d3f9a6
اما روسيا فقد وضح دورها لمن يتابع بدقة ما يحدث على الارض وبوتن ليس في حاجة لأي نوع من الانتصارات العلنية لان عمله في سوريا لم يكتمل بعد. خصوصاً وان هذا الإيقاف لإطلاق النار هش جداً وقد اخترق عدة مرات من تركيا حتى الان. لقد وعد بوتن سوريا انها ستستقل بكامل أراضيها وتعود بلد موحده ذات سيادة مره اخري. وهذا ما كان يقصده بالحل السياسي وإصلاح الوضع الداخلى بدستور يعطي الحق للجميع في تعايش سلمي تحت مظلة وطن واحد.
مثال الازمة السورية، لو تمت كما هو مخطط لها، سيدرس في كتب التاريخ على كيفية إمكانية تعاون اقطاب متساوية في القوة والنفوذ في حل مشاكل كانت ممكن ان تؤدي الى حرب عالمية. حل مشكلة سوريا قد تكون الخطوة الأولى التي يرى فيها العالم ظهور القوة الموازية لامريكا في روسيا وان يبدو ان الان العالم لديه قطبان يمثلا التوازن المطلوب لسلام العالم. وهذا لا يعني انه لن يكون هناك مشاكل او حتى توترات في المستقبل، ولكن قد رأى العالم انه من الممكن ان تتعاون الأقطاب في حل مشاكل اقليميه لو توافرت النيات الحسنة وتوافقت المصالح.
اول شعاع امل لمستقبل عالمي قد يتفادى حرب عالمية ثالثه لان الدول الكبار ادركت انها يمكنها التعاون والعيش في سلام.
https://qwa.la/d3n7t2
هل ستتقبل الصهيونية العالميه هذا الوضع بدون محاولة السيطرة على الطرفين او الإيقاع بينهما؟
من الواضح ان هذه القوة جن جنونها من التعاون بين امريكا وروسيا في هذا الصدد وبدأت تركز بشدة على محاولات إقالة ترامب لكي يأخذ مايك بنس مكانه قبل الوصول لانتخابات نوفمبر ٢٠٢٠. وطبعاً هناك دائما إمكانية الاغتيال كحل اخير.
غالباً ستحاول الصهيونية العالمية جاهدة إفشال هذه العملية لان مصلحتها تأتي من التشاحن والحروب والدمار. وخصوصاً ان هذه العملية تُحَجِّم الأكراد والذين لليهود التلموديين علاقه وطيده بهم ويحاولون خلق كيان مماثل لإسرائيل ولكنه مسلم سنّي ليكون لهم المدخل للبلاد الإسلامية عن طريقه.
https://qwa.la/x8r6m8
ولكن على العالم ان يراقب كيف ستتطور هذه العلاقة الوليدة بين القوة العظمى الوحيدة السابقة – امريكا- مع القوة العظمى الجديده – روسيا – وما يمكنهما عمله بالنسبة للتهدئة لتوترات العالم والتعاون الاقتصادي الذي قد ينقذ الاقتصاد الامربكي.
من الاخبار المبشرة ايضاً انه يبدو ان امريكا والصين قد اتفقتا على صفقة تجارية خاصة بالمواد الغذائية والتي قد تنقذ ترامب من ورطة كبيره مع مسانديه المزارعين.
https://qwa.la/t2w3q4
يبدو ان كل من روسيا والصين قد مارستا سياستهم بحنكه شديده حيث أيقنا ان ترامب في اشد الحاجه الى “انتصار” دولي للاستهلاك المحلى وتشجيع القاعدة العريضه من مسانديه ، فأعطوه إعلان وقف إطلاق النار في سوريا. وايضاً والأهم، محتاج الى مساعدة كبيرة اقتصادية خصوصًا بالنسبة للمزارعين الذين يمثلون العمود الفقري لمسانديه، فكانت الصفقة مع الصين، والتي أخذت الصين في المقابل لها إيقاف الرسوم ألأمريكية الجديده لمدة ٩٠ يوماً. وبذلك بدأت التفاهمات التجارية التي يفهمها ترامب جيداً ان تتحقق.
وهناك امل في إنتعاش اقتصادي في إعادة إعمار سوريا، ولو انه يبدو ان غالبيته سيذهب الى الشرق لان هذه الدول هي التي ساعدت سوريا على الحفاظ على كيانها.
نشكر الرب على كل نِعَمه ورأفته بالبشرية ونتمنى ان تتم هذه الخطة على خير ويسود السلام في العالم.

لإخطار شخصي برابط المقال اتبع حسابي على تويتر
https://twitter.com.AidaAwad
وستجد المقال على الموقع الإلكتروني
aidaawad.wordpress.com